الشيخ محمد رشيد رضا
398
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
معروفة كقوله في آخر سورة النبأ ( 78 إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) وقوله ( 25 : 27 وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا 28 يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ) وغير ذلك * * * ثم قفى على ذلك بالدليل على قدرته على انفاذ حكمه وانجاز وعده وكون هؤلاء الظالمين لا يعجزونه ، ولا يستطيعون الافتداء من عذابه ، فقال أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قلنا مرارا ان السماوات والأرض عبارة عن جميع العالم ، وهو تعالى مالك السماوات والأرض وملكهما ، وله كل من فيهما من العقلاء ، وما فيهما من غير العقلاء ، وقد نطفت الآيات بهذا كله ولكل مقام مقال ، فههنا غلب غير العقلاء بمناسبة ما في الآية السابقة من الإشارة إلى غرور الكافرين والظالمين بما كانوا يمتعون به ، ونعذر الافتداء بشيء منه ، وسيأتي تغليب العقلاء في الآية 66 من هذه السورة لاقتضاء المناسبة له . وصدر الجملة بحرف التنبيه « ألا » الذي يفتتح به الكلام لتنبيه الغافلين عن هذه الحقيقة وإن كانوا يعرفونها لكثرة ذهول الناس عن تذكر أمثالها ، والمعنى ليتذكر الناسي وليتنبه الغافل وليعلم الجاهل ان للّه وحده ما في العوالم العلوية . عالم الأرض يتصرف فيها حيث يشاء ، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء ، ولا يملك أحد من دونه شيئا من التصرف والفداء ، في يوم البعث والجزاء أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أعاد فيه حرف التنبيه تأكيدا وتذكيرا لتمييزه بهذا التنبيه عما سبقه لأنه المقصود هنا بذاته وانما ذكر قبله للاستدلال عليه ، أي كل ما وعد به على لسان رسله حق واقع لا ريب فيه ، لأنه وعد المالك القادر على انجاز ما وعد لا يعجزه منه شيء وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ يعني بأكثرهم الكفار منكري البعث والجزاء ، أي لا يعلمون أمر الآخرة لا من طريق النظر والاستدلال ، ولا من طريق الايمان بما جاء به الرسل عليهم السّلام . * * * هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ بقدرته كما يدل عليه النظر والاستدلال وقد بسطناه